ابن عربي

461

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

الْإِنْسانُ » حدث اسم الإنسان باجتماع النفس والجسم ، وتعلق التكليف وظهرت الطاعات والمخالفات ، فالإنسان العاقل البالغ هو المكلف لا غير ، ومن زالت عنه هذه الشروط من هذا النوع ، فليس بمكلّف ولا مذموم على ترك فعل أو فعل منهي عنه ، ولما أنس الإنسان برتبة الكمال فوقع بما رآه الأنس له سماه إنسانا ، فالألف والنون فيه زائدتان في اللسان العربي ، ولما كان الإنسان مخلوقا على الصورة الإلهية سمي باسم ينصرف ، ليعلم في صورته الإلهية أنه مقهور ممنوع عبد ذليل مفتقر ، إذ كانت الصورة الإلهية تعطيه التصرف في جميع المراتب ، ولهذا سمي بإنسان فرفع وخفض ونصب ، فهو إنسان من حيث الصورة ، ومنها يتصرف في المراتب كلها ، ومنع الصرف من حيث هو في قبضة موجده ، ملك يبقيه ما شاء ويعدمه إن شاء ، فبالصورة تنال الخلافة والتصريف واسم الإنسانية ، فمن إنسانيته ثبت أنه غير يؤنس به ، ومن الخلافة ثبت أنه عبد فقير ما له قوة من استخلفه ، بل الخلافة خلعت عليه ، يزيلها متى شاء ، ويجعلها على غيره ، فقال تعالى معلما ومنبها ينبه الإنسان « يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ » وما يعني بالإنسان هنا إلا المسئ صاحب الكبيرة ، فنبه اللّه المسئ أن يقول : بكرم الحق ، لكونه يحكم بالكرم في حقه ، فنبهه بهذه الآية ليقول : كرمك ؛ فإنه لا يقاوم كبير كرمه إلا بأكبر الكبائر ، وهناك يظهر عموم الكرم الإلهي ، فلا يعرف الكريم إلا المسئ ، ولا أكرم من اللّه ، فيقول تعالى لهذا الإنسان « ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ » فهذه الآية من باب تعليم الخصم الحجة خصمه ، ليحاجه بذلك إن كان محبوبا ، ليقول : كرمك ، وتنبيه من اللّه لعبده ، كما يفعله الحاكم المؤمن العالم ، إذ يقول للسارق والزاني : قل لا زنيت أو قل لا سرقت أو قل لا ، لعلمه أنه إذا اعترف أقام عليه الحد ، فربما يكون الزاني يدهش بين يدي الحاكم فينبهه ، فيقول بهذه المقالة : لا ، فيدرأ عنه الحد بذلك ، وجاء بلفظة الإنسان بالألف واللام والإغرار ليعم جميع الناس ، فلقد فزت بحظ عظيم « يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ » والكريم هو الذي يترك ما له ويؤدي ما أوجبه على نفسه من الحقوق ، كرما منه قبل أن يسألها ، ثم إنه يمنع وقتا ويطالب وقتا ، لتظهر بذلك منزلة الشافع عنده في مثل هذا ، وكرمه بالسائل فيما سأله فيه بإجابته ، فقوله تعالى هذا ذكّر العبد بالحجة ، وأبان له عن المحجة ، ليقول : كرمك غرني ، والكريم لا يضرني وهو الغيور على اسمه ، والمبقي في قلب عبده رسمه لسابق علمه ، فمن رحمة اللّه تعالى تلقين عبده حجته ، فلو قال : الشديد